ابن رشد

317

تهافت التهافت

اختلف القدماء في هذا لكن ليس علمنا بأنها في الجسم هو علم بأن لها قواما بالجسم . فإن ذلك ليس بينا بنفسه ، وهو الأمر الذي اختلف فيه الناس قديما وحديثا ، لأن الجسم إن كان لها بمنزلة الآلة فليس لها قوام به ، وإن كان بمنزلة محل العرض للعرض لم يكن لها وجود إلا بالجسم . دليل سابع قال أبو حامد : قالوا : القوى الداركة بالآلات الجسمية يعرض لها من المواظبة على العمل بإدامة الإدراك كلال لأن إدامة الحركة تفسد مزاج الأجسام فتكلها ، وكذلك الأمور القوية الجلية الإدراك توهنها وربما تفسدها حتى لا تدرك عقيبها الأخفى الأضعف كالصوت العظيم للسمع والنور العظيم للبصر ، فإنه ربما يفسد أو يمنع عقيبه من إدراك الصوت الخفي والمرئيات الدقيقة بل من ذاق الحلاوة الشديدة لا يحس بعده بحلاوة دونها . والأمر في القوة العقلية بالعكس فإن إدامتها للنظر إلى المعقولات لا يتعبها ودرك الضروريات الجلية يقويها على درك النظريات الخفية ولا يضعفها وإن عرض لها في بعض الأوقات كلال فذلك لاستعمالها القوة الخيالية واستعانتها بها فتضعف آلة القوة الخيالية فلا تخدم العقل . الاعتراض : هذا من الطراز السابق فإنا نقول لا يبعد أن تختلف الحواس الجسمانية في هذه الأمور فليس ما يثبت منها للبعض يجب أن يثبت للآخر ، بل لا يبعد أن تتفاوت الأجسام فيكون منها ما يضعفها نوع من الحركة ومنها ما يقويها نوع من الحركة ، ولا يوهنها وإن كان يؤثر فيها فيكون ثمّ سبب يحدد قوتها بحيث لا تحس بالأثر فيها ، فكل هذا ممكن إذ الحكم الثابت لبعض الأشياء ليس يلزم أن يثبت لكلها . قلت : هذا دليل قديم من أدلتهم وتحصيله أن العقل إذا أدرك معقولا قويا ثم عاد بعقبه إلى إدراك ما دونه كان إدراكه له أسهل . وذلك مما يدل على أن إدراكه ليس بجسم لأنا نجد القوى الجسمية المدركة تتأثر عن مدركاتها القوية تأثرا يضعف بها إدراكها حتى لا يمكن فيها أن تدرك الهيئة الإدراك بأثر إدراكها القوية الإدراك . والسبب في ذلك أن كل صورة تحل في جسم فحلولها فيه يكون بتأثر ذلك الجسم عنها عند حلولها فيه لأنها مخالفة ولا بد وإلا لم تكن صورة في جسم . فلما وجدوا قابل المعقولات لا يتأثر عن المعقولات قطعوا على أن ذلك القابل ليس بجسم . وهذا لا عناد له ، فإن كل ما يتأثر من المحال عن حلول الصور فيه تأثرا موافقا أو قليلا كان أو كثيرا فهو جسماني ضرورة ، وعكس هذا أيضا صحيح ، وهو أن كل ما هو جسماني فهو متأثر عن الصورة الحاصلة فيه وقدر تأثره هو على قدر مخالطة تلك الصورة للجسم